بئر جمكران: خرافة الغيبة وأداة الاستغلال السياسي في إيران

Jamkaran Well

مقال نقدي موسع عن بئر جمكران في قم الإيرانية، يكشف جذوره التاريخية وعلاقته بالغيبة، وكيف استغله النظام الإيراني سياسيًا واقتصاديًا، ولماذا يعد خرافة خطيرة

عبر التاريخ الإسلامي ظهرت الكثير من المرويات والأساطير التي لم تجد أساسًا في القرآن الكريم ولا في السنة النبوية الصحيحة. غير أن بعضها لم يبق مجرد روايات شعبية، بل تحوّل إلى أساس عقائدي تستند إليه طقوس وممارسات ضخمة، بل وحتى أنظمة سياسية كاملة. ومن أبرز هذه الأساطير بئر جمكران في مدينة قم الإيرانية، الذي يُروّج له على أنه مقر الإمام الغائب عند الشيعة الاثني عشرية.

لقد تحول هذا البئر من مجرد حفرة في الأرض إلى رمز ديني وسياسي ضخم، تُبنى عليه شرعية ولاية الفقيه، ويُستغل في توجيه عاطفة ملايين الناس نحو خدمة أهداف السلطة في إيران. فما أصل هذه العقيدة؟ وكيف نشأت فكرة الغيبة؟ وما الدور الذي لعبه بئر جمكران في تشكيل الفكر الديني والسياسي عند الشيعة الاثني عشرية؟ والأهم: كيف يتم استغلاله اليوم لترسيخ الاستبداد والتوسع الإقليمي؟


مدينة قم: من مركز علمي إلى مركز خرافات

تُعد مدينة قم من أقدم المراكز الشيعية في إيران، وقد برزت منذ القرن الرابع الهجري كمكان لتجمع علماء ومحدثي الشيعة. ومع مرور الزمن، تحولت إلى مركز ديني عالمي للحوزات العلمية، تُدرّس فيها كتب الفقه والعقائد الشيعية.

ارتباط قم بالمهدي الغائب

مع بروز عقيدة الغيبة الكبرى في القرن الرابع الهجري، ارتبطت قم بروايات مختلفة عن ظهور الإمام الثاني عشر. وقد ساعدت البيئة الشعبية والدينية في قم على تضخيم هذه الروايات وتحويلها إلى طقوس جماعية. وهنا برز بئر جمكران كأحد الرموز الأساسية التي تربط المدينة بالمهدي المنتظر.


الغيبة الصغرى والكبرى: تأسيس الأسطورة

  • الغيبة الصغرى:

بعد وفاة الحسن العسكري سنة 260 هـ دون ولد ظاهر، واجه الشيعة أزمة كبرى. فادعى بعض خاصته أن له ولداً اسمه محمد، دخل في غيبة صغرى استمرت نحو 70 عامًا، وكان يتواصل مع أتباعه عبر أربعة “سفراء”. هذه المرحلة كانت بمثابة انتقال سلس لقيادة رجال الدين عبر ادعاء النيابة عن الإمام.

  • الغيبة الكبرى:

مع وفاة السفير الرابع سنة 329 هـ، أعلنت بداية الغيبة الكبرى، حيث لم يعد هناك أي اتصال مزعوم بين الإمام الغائب وأتباعه. وهكذا بقيت فكرة الانتظار قائمة إلى أجل غير مسمى. هذه العقيدة الغامضة منحت رجال الدين سلطة هائلة، فهم وحدهم الذين يفسرون متى وكيف سيعود الإمام.

دخول بئر جمكران في القصة

مع مرور القرون، ظهرت روايات تقول إن الإمام الغائب مرتبط ببئر في قم. لم تكن هذه الروايات موجودة في القرون الأولى، لكنها وجدت أرضية خصبة في مجتمع يميل إلى الغيبيات والأساطير. وهكذا صار البئر جزءًا من منظومة “الانتظار” ووسيلة لتجسيد الغيبة في مكان محسوس.

“اطلع على: خطبة معاوية بعد الصلح مع الحسن


بئر جمكران: الطقوس والممارسات

الطقوس في بئر جمكران
الطقوس في بئر جمكران
  • الرسائل الملقاة في البئر:

أشهر الطقوس المرتبطة بالبئر أن الزوار يكتبون رسائل مليئة بالدعوات والطلبات، ثم يلقونها في البئر، معتقدين أنها تصل إلى الإمام الغائب. هذه الممارسة أشبه بالطقوس الوثنية القديمة، حيث تُلقى القرابين في الآبار أو الأنهار لنيل رضا الآلهة.

  • الاحتفالات الدينية:

في كل عام، يُقام في مسجد جمكران احتفال ضخم بمناسبة ميلاد الإمام المهدي، يحضره مئات الآلاف. وغالباً ما يتخلل هذه المناسبة خطب سياسية تُمجّد النظام الحاكم وتربط ظهوره بولاية الفقيه.

  • البُعد الاقتصادي:

لا يمكن إغفال الجانب المالي؛ فالبئر والمسجد أصبحا مصدر دخل ضخم عبر التبرعات والنذور، تُستخدم لتمويل المؤسسات الدينية التابعة للنظام.

“اقرأ أيضًا: تصحيح تاريخ الصحابة الكرام


النقد الشرعي والفكري لعقيدة البئر

غياب أي دليل شرعي

  • القرآن الكريم لم يذكر شيئًا عن اختفاء شخص في بئر أو غيبة تمتد لأكثر من ألف عام.
  • السنة النبوية الصحيحة لم تشر إلى فكرة الإمام الغائب بهذه الصورة، وكل ما ورد إما ضعيف أو موضوع.

تشويه صورة الإسلام

ربط الدين بخرافات من هذا النوع يُظهر الإسلام وكأنه دين أساطير، في حين أن الإسلام دين عقل ومنطق قائم على نصوص واضحة.

مخالفة للتوحيد

إلقاء الطلبات في البئر طلبًا من شخص غائب لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا، هو نوع من صرف الدعاء لغير الله، وهو من مظاهر الانحراف العقائدي الخطير.


كيف استُغل بئر جمكران سياسياً؟

خرافة بئر جمكران
خرافة بئر جمكران
  • ولاية الفقيه:

أسس الخميني لنظرية ولاية الفقيه على أساس أن الإمام الغائب قد فوّض الفقهاء لقيادة الأمة في غيبته. وبذلك، صار بئر جمكران رمزاً يبرر هذه النظرية؛ فوجود الإمام في البئر يعني وجود وكيل له على الأرض.

  • الثورة الإيرانية:

خلال الثورة 1979، استُخدم الخطاب المهدوي لحشد الجماهير. وكان الحديث عن “قرب ظهور الإمام” وسيلة لتعبئة الناس ضد الشاه.

الحروب والتوسع الإقليمي

  • في الحرب العراقية الإيرانية، جرى تصوير المعركة على أنها تمهيد لظهور الإمام.
  • في سوريا والعراق واليمن ولبنان، تُقدم الميليشيات المدعومة من إيران نفسها على أنها “جنود الإمام المهدي”.
  • بئر جمكران حاضر كرمز يوحي بأن مشروع إيران له بعد إلهي مقدس.

“اطلع على: فاطمة سيدة نساء العالمين


البعد الاجتماعي والفكري

  • الإلحاد وفقدان الثقة:

الكثير من الشباب الإيراني بدأ يتساءل: كيف يمكن أن يعيش شخص أكثر من ألف عام مختبئًا في بئر؟ هذا التساؤل أدى إلى موجات إلحاد متزايدة، ورفض عام للخرافة.

  • استغلال الفقر والبسطاء:

غالبية زوار البئر من الطبقات الفقيرة، التي تبحث عن أمل في حل مشاكلها اليومية. النظام يستغل هذه العاطفة لتوجيههم نحو طاعة الفقيه وانتظار المخلّص.

  • تكريس الانقسام المذهبي:

الأسطورة تعمّق الفجوة بين السنة والشيعة، إذ يرى السنة أن الإسلام لم يأت بمثل هذه الممارسات، بينما يُصرّ الخطاب الإيراني على فرضها كجزء من الهوية الدينية.


مقارنات مع أساطير أخرى

  • في المسيحية، وُجدت أسطورة “المسيح المنتظر” لكن لم تُربط بآبار أو أماكن محددة.
  • في الديانات الوثنية القديمة، كانت هناك طقوس إلقاء الطلبات في الآبار والأنهار.
  • بئر جمكران يمثل تكرارًا لنفس النمط الأسطوري، لكن بغطاء إسلامي مزعوم.

مواقف علماء مسلمين

علماء السنة

  • أجمع علماء أهل السنة على بطلان فكرة الغيبة الكبرى.
  • اعتبروا بئر جمكران بدعة لا أصل لها، ومظهراً من مظاهر الغلو والشرك.

بعض علماء الشيعة المعتدلين

حتى داخل المذهب، هناك أصوات تعترض على هذه الطقوس، معتبرة إياها خرافة تسيء للمذهب. لكن هذه الأصوات غالبًا ما تُهمّش أو تُقمع من قبل السلطة.


الأبعاد الاقتصادية والسياسية للبئر

  • ملايين الدولارات تُجمع سنويًا من النذور والتبرعات.
  • يتم استخدام البئر كأداة “سياحة دينية” لجذب الزوار من داخل إيران (Iran) وخارجها.
  • تُحوّل الأموال لدعم الحوزات والميليشيات، بدل أن تذهب لتنمية المجتمع.

“قد يهمك: خواتيم الأعمال


ما الذي يجب فعله؟

يجب على المسلمين التصدي للأفكار المضللة والتي منها فكرة الإمام الغائب والتي هي كذبة لاستمرار سيطرة رجال الدين الشيعي على عوام الشيعة، وهنا يجب عمل ما يلي:

  1. التوعية: نشر الوعي بأن الإسلام دين عقل ونصوص، لا دين أساطير.
  2. النقد العلمي: عرض الروايات الضعيفة والمنقطعة التي تقوم عليها عقيدة البئر.
  3. فضح الاستغلال السياسي: توضيح كيف تُستخدم الأسطورة لتبرير الاستبداد والتوسع.
  4. إحياء البديل الصحيح: الدعوة إلى التمسك بالقرآن والسنة، ونبذ كل ما يخالفهما.

“قد يهمك: اللات والعزى ومنات


 بئر جمكران: الخاتمة

إن بئر جمكران ليس مجرد بئر في مدينة قم، بل هو رمز لواحدة من أخطر الأساطير التي استُغلت سياسياً عبر التاريخ الإسلامي الحديث. هذه الأسطورة لم تقتصر على تزييف العقيدة، بل تجاوزت إلى تبرير أنظمة استبدادية، وتمويل ميليشيات، وإشعال حروب في المنطقة.

إن نقد بئر جمكران لا يعني نقد مذهب بعينه بقدر ما يعني كشف حقيقة استغلال الدين لأهداف دنيوية. والإسلام الحقيقي أسمى من أن يُربط ببئر أو غيبة غامضة. فالله سبحانه وتعالى جعل الدين واضحًا بينًا، لا يحتاج إلى أساطير لتبريره.

Leave A Reply

Your email address will not be published.