هل تخيلت يومًا أن شركة واحدة يمكن أن تؤثر في أسعار الغذاء التي تدفعها، وفي المنتجات التي تشتريها من المتجر، وحتى في قوت الشعوب أثناء الأزمات؟ هذه ليست مبالغة، بل هي حقيقة تجسدها شركة كارجيل (Cargill) الأمريكية، إحدى أكبر شركات الغذاء في العالم وأكثرها غموضًا وتأثيرًا عبر التاريخ. من مقرها المتواضع في ولاية مينيسوتا الأمريكية، تُدير كارجيل شبكة تمتد إلى أكثر من 125 دولة، تؤثر بشكل مباشر أو غير مباشر في حياة مليارات البشر.
قائمة المحتويات
كارجيل: إمبراطورية غذاء أكبر من بعض الدول
يقع المقر الرئيسي لشركة كارجيل في مدينة وايزاتا بولاية مينيسوتا، وهو المبنى الذي وصفه وزير الزراعة الأمريكي الأسبق “روبرت بيرغلاند” بأنه يضم “أفضل جهاز استخبارات لتسويق المحاصيل في العالم”، بل يتفوق على وكالة الاستخبارات الأمريكية نفسها (CIA).
تُعد كارجيل أكبر شركة خاصة في الولايات المتحدة، وتملك منظومة استخباراتية داخلية ترصد الأسواق، المنافسين، المستهلكين، وحركة الأسعار حول العالم، مما يمنحها قدرة خارقة على اتخاذ قرارات سريعة ومربحة في الوقت المناسب. تمتلك الشركة أكثر من 800 مكتب في 70 دولة، وتدير أعمالها في 125 دولة أخرى، ما يجعلها لاعبًا رئيسيًا يتحكم في جزء هائل من تجارة الغذاء العالمية.
خلال الحرب والأزمات: حين ينهار الجميع وتزدهر كارجيل

عندما غزت روسيا أوكرانيا في فبراير 2022، انهارت اقتصادات، وانسحبت شركات كبرى من روسيا وأوكرانيا. لكن المفاجأة أن كارجيل استمرت في العمل بشكل طبيعي في كلا البلدين، بل حققت خلال تلك الفترة أعلى أرباح في تاريخها. ففي السنة المالية المنتهية في مايو 2022، بلغت إيراداتها 165 مليار دولار، بصافي ربح قدره 6.68 مليار دولار — وهو رقم قياسي في تاريخها الممتد لـ157 عامًا. هذا النجاح جعل عائلة كارجيل المالكة من أغنى العائلات في العالم بثروة تتجاوز 65 مليار دولار، ولديها أكثر من 12 مليارديرًا ضمن قائمة فوربس.
تاريخ كارجيل: من مخزن حبوب صغير إلى عملاق يسيطر على العالم
تبدأ القصة عام 1865 عندما أسس “ويليام والاس كارجيل” مشروعًا صغيرًا لتخزين الحبوب في ولاية أيوا. مع توسع شبكة السكك الحديدية، انتشرت مخازن كارجيل عبر الولايات الوسطى، وأصبحت الشركة وسيطًا بين المزارعين والأسواق. وفي عام 1895، تزوجت ابنة ويليام من “جون ماكميلان”، ما أدى إلى دمج العائلتين وتوسّع الأعمال بشكل هائل، لتتحول كارجيل إلى شركة عائلية تُدار بصرامة وتنظيم دقيق.
“اقرأ عن: خطر بطاقات الائتمان“
إستراتيجية “الحزام اللامتناهي”: عبقرية تجارية غيّرت قواعد اللعبة
مع دخول القرن العشرين، طوّرت كارجيل فكرة ثورية تُعرف باسم “الحزام اللامتناهي”، وهي شبكة متكاملة تربط المزارع ومخازن الحبوب ومراكز المعالجة والنقل والتوزيع. بفضل هذه المنظومة، أصبحت الشركة تحقق أرباحًا في كل مرحلة من مراحل سلسلة الإنتاج:
- تبيع البذور للمزارعين.
- تشتري المحاصيل منهم بأسعار منخفضة.
- تخزنها وتعيد بيعها بأسعار أعلى.
- تصنّع منتجات غذائية مشتقة من تلك المحاصيل.
- وتتحكم في التوزيع والتصدير عالميًا.
بهذه الطريقة، تحولت كارجيل من تاجر حبوب إلى قوة اقتصادية عالمية تتحكم في تدفق الغذاء من المزرعة إلى المائدة.
“قد يهمك: فن التعامل مع اعتراضات العملاء في المبيعات“
شبكة استخبارات تفوق الـ CIA
من أبرز أسرار نجاح كارجيل هو نظامها الاستخباراتي المبكر. ففي عام 1923، استحوذت على شركة “تايلور وبورنيك” التي كانت تملك نظام تلغراف متطورًا يسمى Clement-Curtis. هذا النظام مكّن الشركة من تبادل المعلومات بين فروعها في مختلف المدن بسرعة فائقة وسرية تامة، ما جعلها تتفوّق في سوق العقود المستقبلية للسلع. كانت تلك المعلومات حول الأسعار والمحاصيل والأحوال الجوية تُرسل إلى المقر الرئيسي لتحليلها فورًا، مما منح كارجيل ميزة تنافسية مذهلة وجعلها تربح من الأزمات بدلًا من أن تتأثر بها.
كارجيل بعد الحربين العالميتين: من الحبوب إلى كل شيء

بعد الحرب العالمية الثانية، وسّعت كارجيل نشاطها لتشمل:
- الأعلاف والبذور والأسمدة.
- اللحوم والدواجن.
- المعادن والفحم والصلب.
- النفط والخدمات المالية والعقارات.
واليوم، تدخل كارجيل في كل مجال تقريبًا يرتبط بالغذاء أو الزراعة أو الصناعة، مما جعلها واحدة من أكبر شركات الغذاء في العالم وأكثرها تنوعًا.
اتهامات بالاحتكار واستغلال الأسواق
بسبب قوتها الهائلة، واجهت كارجيل عشرات التحقيقات والاتهامات بالاحتكار والتلاعب بالأسعار. في عام 1938، تم طردها مؤقتًا من بورصة شيكاغو لمحاولتها السيطرة على سوق الذرة الأمريكي، لكنها سرعان ما عادت بعد ضغوط سياسية. كما اتهمتها منظمات دولية مثل Oxfam وMighty Earth بالتربح من الحروب والأزمات، وبتلويث البيئة، وتشغيل الأطفال في مزارع الكاكاو، والمساهمة في إزالة الغابات بأفريقيا وأمريكا الجنوبية.
“قد يهمك: خطوات ديف رمزي لتصبح مليونير“
حادثة “الموت الوردي” في العراق: الوجه المظلم لكارجيل
من أبشع ما ارتبط باسم كارجيل حادثة التسمم بالزئبق في العراق عام 1971، عندما صدّرت الشركة شحنة من القمح والشعير المعالج بمادة سامة تُستخدم كمبيد فطري. رغم أن المادة كانت محظورة في أمريكا، تم تصديرها للعراق، ما أدى إلى وفاة أكثر من 450 شخصًا رسميًا، بينما تشير تقديرات أخرى إلى أن العدد الحقيقي تجاوز 4000 وفاة.
كانت التحذيرات مكتوبة بالإنجليزية والإسبانية، ما جعل الفلاحين العراقيين غير قادرين على قراءتها، فقاموا بطحن الحبوب (Cereal) وتناولها. تُعد هذه الحادثة من أكبر كوارث التسمم بالزئبق في التاريخ، وتظل وصمة سوداء في سجل الشركة.
لماذا ترتفع أسعار الغذاء عالميًا؟
تُظهر تقارير أوكسفام الدولية أن 62 مليارديرًا جديدًا ظهروا في قطاع الغذاء أثناء جائحة كورونا، بينما زادت ثروات كبار ملاك شركات الغذاء بنسبة 42%. وفي المقابل، ارتفعت أسعار المواد الغذائية عالميًا لأعلى مستوياتها منذ عقد.
تصف إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن هذا النوع من الغلاء بأنه “تضخم الجشع” — أي استغلال الشركات للأزمات لرفع الأسعار بشكل مبالغ فيه لزيادة أرباحها. وهذا يفسر لماذا يدفع المستهلك العربي اليوم أسعارًا مرتفعة للقمح والأرز واللحوم، بسبب قرارات تُتخذ في مكاتب كبرى الشركات في الغرب.
كارجيل في أرقام
- تاريخ التأسيس: 1865
- الدول التي تعمل بها: أكثر من 125 دولة
- عدد الموظفين: أكثر من 160,000 موظف
- الإيرادات السنوية: تتجاوز 165 مليار دولار
- الملكية: عائلية خاصة (غير مدرجة في البورصة)
- الغرامات القانونية منذ عام 2000: نحو 190 مليون دولار
أسئلة شائعة حول أكبر شركات الغذاء في العالم
1. ما هي أكبر شركة غذاء في العالم؟
تُعتبر كارجيل أكبر شركة غذاء خاصة في العالم، بإيرادات تتجاوز 165 مليار دولار سنويًا.
2. كيف تؤثر كارجيل على أسعار الغذاء عالميًا؟
من خلال تحكمها في سلاسل الإمداد وتجارة الحبوب والزيوت واللحوم، مما يجعل قراراتها تنعكس على الأسعار في كل الأسواق.
3. هل تمتلك كارجيل شركات تابعة في العالم العربي؟
نعم، تعمل كارجيل في عدة دول عربية في مجالات الأعلاف والزيوت النباتية وتجارة الحبوب.
4. هل كارجيل متهمة بالاحتكار أو استغلال العمال؟
نعم، تواجه الشركة اتهامات متكررة تتعلق باحتكار الأسواق، وتلويث البيئة، وتشغيل الأطفال في مزارع الكاكاو بأفريقيا.
5. هل يمكن للمستهلكين التأثير على هذه الشركات؟
بالتأكيد، من خلال دعم المنتجات المحلية، والمطالبة بالشفافية، ومقاطعة الشركات المتهمة بالاستغلال البيئي أو البشري.
خاتمة: من يتحكم في غذائنا يتحكم في مصيرنا
تُظهر قصة كارجيل أن التحكم في الغذاء هو أقوى أشكال النفوذ في العالم. فعندما تمتلك شركة واحدة القدرة على رفع الأسعار أو خفضها على مستوى القارات، فإنها لا تدير تجارة فحسب، بل تتحكم في مصير الشعوب. إن فهم الدور الذي تلعبه أكبر شركات الغذاء في العالم هو الخطوة الأولى نحو بناء أنظمة أكثر عدلاً وشفافية، تحفظ التوازن بين الربح وحق الإنسان في الغذاء.
الاسم/ علي أحمد، كاتب متخصص في المقالات الإخبارية والترندات الحالية التي تشغل اهتمام الكثير من الأشخاص في الدول العربية، كما نقوم بنشر مقالات عامة متنوعة تُزيد من ثقافة القارئ العربي. لدينا خبرة طويلة في مجال المقالات الإخبارية والترندات والمقالات العامة المتنوعة، ونعتمد على المصادر الموثوق فيها لكتابة محتوى هذه المقالات. هدفنا هو إيصال المعلومات الصحيحة للقارئ بشكل واضح ومباشر.
يتميز علي أحمد بكتاباته التي تغطي مجموعة واسعة من المقالات العامة والأخبار العاجلة والموضوعات الرائجة. يجمع في طرحه بين السرعة في مواكبة الأحداث والدقة في نقل المعلومات، ليقدم للقارئ صورة واضحة وشاملة.
يركز على تحليل الأحداث بموضوعية وحياد، مع تقديم خلفيات مختصرة تساعد القارئ على فهم الخبر في سياقه. كما يعرض مقالات متنوعة حول الترندات الاجتماعية والتكنولوجية والثقافية، مما يجعل محتواه مناسبًا لجمهور واسع. كتاباته تعكس حرصًا على أن يكون الموقع دائمًا في قلب الحدث، مع محتوى جذاب يواكب اهتمامات القراء ويثير النقاش حول أبرز القضايا المعاصرة.

